سيد محمد طنطاوي

432

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولقد استجاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم لما أمره ربه به ، فأكرم اليتامى ورعاهم ، وحض على ذلك في أحاديث كثيرة منها قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة » وأشار صلى اللَّه عليه وسلم بإصبعيه السبابة والوسطى . ومن الآيات القرآنية التي وردت في هذا المعنى قوله - تعالى - : ولا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّه . . . وقد تكرر الأمر برعاية اليتيم ، وبالمحافظة على ماله في مطلع سورة النساء خمس مرات قال - تعالى - : وآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ . . . وقال - سبحانه - : وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ، مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ . . . وقال - عز وجل - : وابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ . . ، وقال سبحانه - : وإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى والْيَتامى والْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْه وقال - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً . . . وقوله - سبحانه - : * ( وأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) * معطوف على ما قبله . أي : وكما أننا قد هديناك بعد حيرة . . فاشكر نعمنا على ذلك ، بأن تفتح صدرك للسائل الذي يسألك العون ، أو يسألك معرفة ما يجهله من علم . فالمراد بالسائل ، ما يشمل كل سائل عن مال ، أو عن علم ، أو عن غير ذلك من شؤون الحياة . قال القرطبي : قوله : * ( وأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) * أي : لا تزجره ، فهو نهى عن إغلاظ القول . . وروى عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « ردوا السائل ببذل يسير ، أو رد جميل . . » . وفي حديث أبي هارون العبدي قال : كنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري يقول : مرحبا بوصية رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، إن رسول اللَّه قال : « إن الناس لكم تبع ، وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون ، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا . . . » « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) * والتحديث بالشيء : الإخبار به ، والحديث عنه ، أي : وكما كنت عائلا فأغنيناك بفضلنا وإحساننا ، فاشكرنا على ذلك ، بأن تظهر نعمنا عليك ولا تسترها ، وأذعها بين الناس ، وأمر أتباعك أن يفعلوا ذلك ، ولكن بدون تفاخر أو مباهاة . . . فإن ذكر النعم على سبيل الرياء والتفاخر والتطاول على الغير . . . يبغضه اللَّه - تعالى - ، ويعاقب صاحبه عقابا أليما .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 20 ص 101 .